محمد أبو زهرة
172
المعجزة الكبرى القرآن
الحقيقة والتشبيه والاستعارة في القرآن 102 - هذا باب من أبواب تصريف القول في القرآن وضرب الأمثال به ، والحقيقة في اصطلاحنا ليست مقابلة للمجاز بكل فروعه فقط ، بل هي مقابلة للمجاز والتشبيه والاستعارة ، وهي ضرب من ضروب المجاز ، وإذا كان علماء البلاغة يعدون التشبيه من قبيل الحقيقة ، إذ إن أساس الحقيقة في نظرهم أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ، والتشبيهات التي تكون بأدوات التشبيه الألفاظ فيها موضوعة في مواضعها ، والمجاز الذي يقابل الحقيقة أن تكون الكلمة دالة على غير ما وضعت له ، لعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الذي استعملت فيه مع قرينة دالة على هذا وعدم إرادة المعنى الأصلي . ذلك هو اصطلاح علماء البلاغة ، ولا غبار عليه ، ولكنا في مقام الإعجاز القرآني نذكر الحقيقة - غير المجاز ، غير التشبيه ، ونريد الحقيقة المجردة ، أي استعمال الألفاظ فيما وضعت له من غير ذكر مقابلة بين لفظ ولفظ عن طريق التشبيه الذي يجمل المعاني أو يقربها ، أو يأتي بصورة بيانية تلتقى فيها الحقيقة مع إثارة خيال يكون كأطياف الصور . فالحقيقة التي نطلق عليها حقيقة ونحن نتكلم في القرآن هي ما تدل عليه الألفاظ في أصل وضعها من غير مجاز ولا استعانة بتشبيه ، ولا مشاحة في الاصطلاح . ونتكلم هنا في الحقيقة والتشبيه ، والاستعارة التي هي التشبيه من غير ذكر أداة التشبيه أو ما يدل عليه . وفي القرآن هذه الأمور كلها مع أنواع المجاز المرسل الذي لم تكن العلاقة فيه بين المعنى الأصلي والمعنى المجازى المشابهة بينهما . 103 - إن القرآن قد كان فيه التعبير بالحقيقة ، وهنا نجد السكاكى يعتبر التعبير المجازى أبلغ من التعبير عن المدلولات بالألفاظ التي وضعت لها ، وقد يكون ذلك في غير القرآن ، ولكنه ليس على إطلاقه حتى في غير القرآن ، أما القرآن فليس فيه جزء أبلغ من جزء ولا أبين ، بل كل في موضعه وفي منهاجه ، بلغ أقصى درجات البلاغة التي لا تسامى ولا تناهد وليس في طاقة أحد من البشر أن يأتي بمثله . ولا شك أن بعض الموضوعات القرآنية لا يكون للمجاز أو للتشبيه فيها موضع ، بل إن المجاز والتشبيه فيها يخل بالبلاغة فيها حتى في كلام الناس ، وليس من النثر الفنى فيها التشبيه إلا أن يكون للتقريب .